لحظات التشويش تتقاطع، تتجمع، تُنتج نقطة من الحبر، بداية لجرة قلم، لموضوع، لحياة جديدة.

لكل شئ ميلاد وحياة وانتهاء، حتي سيناريوهات الأفلام تخضع لذات التقسيم الثلاثي، كنُتُ مشوشاً في البداية، أريد أن أُشارك بحماس، ومع الحماس الشديد تتدافع الكثير من الأفكار فتُنسي بعضها بعضًا مثلما يقول الإمام في صلاة الجُمعة

“حلو يا محمد، هايل بس ممكن تختصر في المقدمة أكتر، حاضر يا أُستاذة”

أتذكر تلك الملحوظة، التشتت يدفعك للسرحان والمرواغة والإفتئات علي النصيحة، لكن ثمة أمر دعاني للتوقف فوراً للكتابة عن الموقع المنطلق حديثًا، عن اسم الموقع علي وجه الدقة “مدد”

كنت عائدًا للمنزل، طريق مصر إسماعيلية الصحراوي، الشمس تحاول الهرب، بينما أحاول أن انتهي من مجموعة قصصية لخيري شلبي “سارق الفرح”

وضعت الكتاب علي وجهه، سرحت……

_اختصر عشان تبقي محترف

:خلاص أهو داخل علي الموضوع أهو

….سرحت في الاسم، مدد، اسم له عدة معانٍ في اللغة العربية والقواميس والنواميس، منها الجيش، ما يُزاد به الشئ ويكثُر، منها العون والغوث….

الاسم باعث علي التفاؤل، طارد لفلول اليأس علي الأقل مرحليًّا ووقتيًا، مرتفعًا علي الضباب والأزمات والضغط العصبي، مولود قادم لأُسرة بسيطة تريد المعافرة في طريق “مشيت علي الأشواك”

عُدت في نظرة خاطفة لخيري شلبي، وقعت عيني علي جملة قاتلة:

نحنُ حشّاشون اصحاب كيف، والعامة في بلادنا يرفعون النقط الست عن الحرفين المتشابهين فيصبح للفظ معني بأنه حسيس، وما دمنا كلنا محتاجين لعدل الطاسة فلنكن كلنا ذلك الحسيس !

الشهادة لله الرجل مفتري، والجُملة مُذهلة، والربط جائز، بالفعل نحن حشّاشون، ومادتنا الخام هي الأمل، لا يوجد عاقل يتفائل هذه الأيام، لكننا لسنا عُقلاء، من قال ذلك، نحن مغفلون مرتفعون عن الأرض بضعة سنتيمترات، بنتكيّف ببلاش، بنتعاطي خيالاً جامحًا، خلاط يفرم الواقع البائس ويخرج لك أملاً في صناعة شيئًا مختلفًا، في فكرة خارج الصندوق الأسود وخارج الكراكيب، فتحة شباك أو شيش في عقار امتلأ بهبو الفراغ واليأس وأتربة الأفكار المنغلقة، ليس مبالغة ولا اندفاعًا بقدر ما هو أمل، أمل بالفعل في مدد أو جيش يوسع الرُقعة، والمساحة البيضاء، أملاً في تآكل السواد، ولا وقت في اقناع جيوش اليائسين المتقوقعين داخل السرداب، العمل نحو تنظيف المنزل أفضل من توبيخ مجموعة الأطفال البائسين، كيف تبدأ الأشياء، كيف تسترسل الأفكار، بعد أن تلقي بنفسك في البحر تحدث ضجيج ” طش” ينظر إليك البشر بإستغراب أو باشمئزاز ثم ما يلبث الجميع أن يعود لسيرته الأولي، ماذا أنت فاعل في القادم، فؤاد حدّاد لا يتركني وشأني “في زمن غير النهار والليل”

هل يطوي العظماء الليل والنهار نحو صنع الإنجازات كما يطوي طالب الثانوية ملزمة الفيزياء !

النجاح أن تدخل سيدة إلي المطبخ فتحدث كل أنواع الضجيج والفوضي والإزعاج بالداخل فتخرج لك في النهاية منتجًا طيب المذاق “المرأة الذكيّة لا تترك تنظيف الصحون للصباح ” !

نجيب محفوظ كان رجلاً حديديًا في الإرادة والقوة، وضع روتيناً قاسياً كان يستطيع التخطيط لسنوات، يبدو أن إرادة كونيّة محددة اختارت نجيب دون غيره ليحصل علي نوبل ضمن عشرات ومئات المبدعين المصريين والعرب، “لم يكن نجيب الأفضل، لكنه الأكثر صرامة والأكثر نظامًا بشكل مخيف”

الشمس تلاشت الآن، تاركة عقلي يطحن الأفكار مثلما يطحن الخلاّط الفلفل الأسمر، نفس اللوثة، حتي نفس الكحة والأكلان في الأنف بعد إفراغ الخلاط، لكنّه أكلان وهرش في الرأس الفارغة من الشعر.

الليل بدأ يُسدل الستار، المسرح يكاد يخلو الآن من المتفرجين، لم ينبس أحد ببنت شفة، نظرت لمن حولي علي أمل أن يكون أحدًا منهم سمع صوت الخلاط أو تساقطت مني فكرة علي كتفه، لكن للأسف لم يحدث!

أغلقت الكتاب، وضعته في الحقيبة، اتجهت نحو الباب: مدد يا أسطي

_نعم !

_ بقولك علي جنب يا أسطي ! ………….