فى ظل صلاحيات مطلقة للخديوى سعيد وبدون أدنى مساءلة من شعب أو برلمان لم يكن قد تأسس بعد . أقدم الخديوى على واحدة من أعجب مآسى تاريخنا المعاصر وأكثرها عبثية . فنتيجه إلحاح من (صديقه ) ديلسبس وافق الخديوى على إرسال أورطة أو تجريدة من الجنود السودانيين والمصريين الى المكسيك كى تخوض حربا عبثية لاناقة لمصر فيها ولا جمل , كان على هذه الأورطة أن تخوض حربا بالوكاله لصالح الأرشيدوق النمساوى ماكسميليان الاول الذى أراد الإمبراطور نابليون الثالث أن يجعله حاكما على المكسيك كى يقمع الثورة الوطنية التى قامت ضد نابليون هناك وقادها بينيتو خواريز .

سافرت الأورطة فى عام 1863وهى لاتعلم الى أين تتجه أو ماهى الغاية من هذا السفر الطويل . و فى هذه الرحلة بالغة الصعوبة مات بعض أفراد الحملة نتيجة ظروف الإبحار القاسية وتفشى الأمراض بين الجنود .

وعندما وصلت الأورطة الى المكسيك عرفت أنها فى مواجة الناروالموت المحقق وأنها تخوض حربا لاتعرف أهدافها و لاأطرافها. أنهم هنا فقط تنفيذا للإرادة الخديويه التى أملتها الإرادة الإستعمارية التى فرضتها تفاعلات دولية لايعلم عنها هؤلاء الجنود شيئا يذكر وربما لايعلم عنها الخديوى نفسه !! . كان عليهم فقط أن يحاربوا حتى يحتفظوا بحياتهم فى هذه الأرض . إما أن يقاتلوا أو يقتلوا . ثم كان عليهم بعد ذلك أن يتغلبوا على مشكلة اللغة الغريبة وعلى مشكلة نقص الطعام وعلى تضاريس هذه الأرض التى تحارب مع اصحابها .

وجد الجنود أنفسهم فجأة جزء من مخطط استعمارى هدفه قمع ثورة وطنية قام بها أصحاب الأرض لأجل حريتهم وكرامتهم ! فلماذا قذف بهم خديوى مصر إلى هذا الفخ العجيب !؟

ومع ذلك حارب الجنود كما يحارب الرجال وأبلوا بلاءً حسنا كان موضع إعجاب قادتهم من الفرنسيين فقاموا بدفعهم إلى الخطوط الأمامية للحرب فأصبحوا فى مواجهة النار وجها لوجه ولكنهم إستطاعوا أن يصمدوا ويستبسلوا فى أكثر المواقع خطورة وأكثرها حسما .تلك المواقع التى كان الجنود الفرنسيين يخشونها ويفرون منها . كان وجود هذه الأورطة كان عاملا حاسما ومؤثرا فى نتيجة الحرب والتى انتهت بدخول الجيش الفرنسى مدينة مكسيكو العاصمة .

وفى هذه الحرب مات قائد الأورطة المصرية جبر الله محمد بالحمى الصفراء وتولى القيادة من بعده البكباشى محمد ألماس .وفقدت الأورطة 140 من أفرادها نتيجة الحرب أو المرض فوصل قوام عدد أفرادها 313 من أصل 453

ومع نهاية تلك الحرب كانت موازين القوى الدولية قد تغيرت بنهاية الحرب الأهلية الأمريكية فطالبت الحكومة الأمريكية الحكومة الفرنسية بسحب قواتها المتمركزة فى المكسيك وسقط الإمبراطور ماكسيمليان فى أيدى الثوارالذين قاموا بسجنه فترة قصيره قبل أن يقوموا بإعدامه رميا بالرصاص . وبذلك انتهت أحلام الفرنسيين فى المكسيك فقام نابليون الثالث بسحب جميع قواته من هناك .

عندما عادت الأورطة المصرية إلى أرض الوطن فى عام 1867كان الخديوى سعيد قد رحل عن حكم مصر وربما نسى قبل رحيله أنه قد أرسل كتيبة من الجنود قوامها 453 جنديا كى يحاربوا عدوا لايعرفونه فى أرض لايعرفونها لمجرد أنه أراد إسترضاء صديقه الفرنسى بتقديم هذه الهدية الثمينة من البشر .

شكرا محمد المنسى قنديل أنك أخرجت هذه الصحيفة المطوية من تاريخنا الملئ بالعجائب . شكرا لك على كتيبتك السوداء .