جولة ميدانية داخل السوق واستطلاع لأحوال البائعين والمشترين من مختلف الفئات مطابقتها بآراء الخبراء الرافضين للسياسيات الاقتصادية الحالية

كتبت ـ انجي عبد الوهاب

كل الوحوش رغم قسوتها تتخفى، ولقد اختار “الغلاء” لنفسه مخبأ قاحلاً هو جيوب المصريين الفارغة، نتتبعه في “مدد” بشكل صحفي عبر سلسة من التقارير من أجل رصد حدود وتطورات تلك الكلمة التي التي ستتحول إلى المفتاح الأول إذا ما عاد التاريخ يوماً ليحكي عن حياة المصريين بهذه الأيام.

جولة “مدد” هذه المرة جاءت من داخل أحد أهم الأسواق بالقاهرة،  بالحي القديم المتجدد دوماً “إمبابة”

ذلك الحي الذي حمل خلال تاريخه رصيدًا ثقيلًا وتردد اسمه مرات عديدة في الأعمال الأدبية والخطابات السياسية؛ لما يحمله طابعه الاجتماعي من أهمية؛ فهو مجتمعًا متفردًا في تنوعه وغنيًا بتفاصيله بحكم كثافة تعدادها وما يشهده نسيجه من تنوع في الطبقات الاجتماعية، في “إمبابة” يمكنك أن تنجد صورةً نمطيةً لموظف حكومي، أو تاجر مُنتميًا للطبقة المتوسطة، وإلى جانبهما صور نمطية أخرى لفقير يجني قوته يوم بيوم، أو معدوم لا يملك حتى قوت يومه، أما منطقة السوق_ سوق الجمعة_ فيتوافد إليها الجميع من المناطق الشعبية والريفية المتاخمة، لتادزد المنطقة تميزًا مما يجعلها تربة خصبة لحصد العديد من الطبقات الإجتماعية على مختلف ألوانها.

مرًت العدسة بمنطقة سوق الجمعة، والتي طالما كانت مقتظًة بالوفود، أما الآن فقد اختلف وضعها نوعًا ما.

الأسعار الضعف والمكسب النص””

مشادة كلامية بين إحدى الزبائن وتاجرًا للأقمشة، كانت تنهره : هانجيبلكم منين” ليرد: “الغلا ضرني قبل ما يضرك”، اقتربت إلى التاجر وكان يُدعى الحاج أبو زيد، وسألته: كيف أضرك الغلاء فرد قائلًا: “الأسعار تتضاعف والمكاسب بتقل إلى النصف مع توقف حركة الشراء” وأضاف: ” معظم التجار مديونين، مبقاش فيه مكاسب زي الأول، وإحنا كتجاز بنعاني، الناس معهاش فلوس تشتري، توب الدمور اللي كنا بنبيعه بـ75 جنيهًا ونكون كسبانين فيه، أصبح تمنه جملة 160 جنيهًا ومحدش بيرضى ياخده”

“أنا راكبة مواصلة ساعة علشان أوفر لبيتي كام جنيه ومفيش فايدة”

فيما جذب حديثنا عن الغلاء إحدى الزبائن، وكانت تدعى أم مينا فقالت : ” أنا جاية من الوراق راكبة مواصلة على بعد ساعة علشان أوفرلي كام جنيه، معدناش متحملين الغلا، إحنا مكانش حيلتنا غير اللقمة، دلوقتي مبقيناش عارفين نلاقيها، أنا زوجي على باب الله، يوميته 40 جنيهًا، وعندنا 4 أطفال، واحدة منهم عمرها 10 سنين ولسة مش راضيين ينزلوها في بطاقة التموين، أُسرة 6 أفراد عايشيين ب40 جنيهًا يوميًا، ومش ملاحقين أكل وشرب ومدارس، في يوم ابني تعب مني وديناه الحميات بالليل فُوجئنا بالتذكرة 30 جنيهًا، دا غير العلاج اللي اشتريناه كله من برا، هانلاحق على كدا منين، وأدينا صابرين وساكتين”

“اللي بتديهولنا الحكومة تموين بتاخده أضعاف بالغلا”

وأضافت : “الحكومة يوم ما بتزودلنا على التموين بتاخده أضعاف بالغلا، عايزين تحسوا بالناس اقفوا نص ساعة على طابونة عيش واسمعوا حكاوي الناس وشكوتهم لبعض اللي مش سامعها إلا ربنا”

“الفقير مبقاش لاقي تمن المواصلات علشان ينزل يسعى لأكل عيشه”

شارك الشاب “علي” دون مقدمات: ” حتى تذكرة الأتوبيس بقت بـ3 جنيه،وارخص أتوبيس بـ جنيه ونص وتقفي تستنيه ساعة، الفقير مش بس مبقاش لاقي ياكل، ده أيام مبيلقاش تمن مواصلاته اللي هاينزل يسعي بيها على أكل عيشه”، علمنا بعد ذلك أنه يعمل لدى تاجر سمك.

“لما الواحد فينا بيتعب مبيلاقيش تمن علاجه”

” أي حاجة بجنيه”، لفت سمعي الهتاف المغري فوجدت شاب لم يبلغ من العمر سوى عشرين عامًا يبيع التوابل، وقد بدت على جلبابه قبل وجهه ملامح الشقاء، فحين سألته عن أثر الغلاء عليه،صمت مبتسمًا ابتسامة تحمل الكثير من الأسي، ثم تنهد قائلًا : “مش هانقول غير حسبي الله ونعم الوكيل، كيلو الفلفل الأسود كان ب60 جنيهًا من كام شهر كنا بنقدر نكسب منه، النهاردة تمنه 120 جنيهًا، الفريك الشكارة كانت ب150 جنيهًا النهاردة بـ300 جنيهًا، الأول كنت بيبيع كيلو الفريك بـ6 جنيهات أكون كسبان فيه 2 جنيهان ، لكن النهاردة ببيعه بـ10جنيهات ومكسبي نص جنيه، علشان لازم نحس بالناس، إحنا الواحد فينا لما بيتعب مبيلاقيش تمن علاجه، والناس كلها ماشية تكلم نفسها في السوق، ومحدش دريان بينا”

“لو رحنا نشتري سم يخلصنا من الهم دا هنتلاقي السم غلي”

كان البائع محملًا بشحنة غضب، أو ربما شحنة هموم جعلت أحد الزبائن يبادلنا أطراف الحديث قائلًا: ” من الآخر لو رحنا نشتري سم علشان نخلص من الهم اللي إحنا فيه، هايقولولنا السم غلي”

“قولوا للحكومة ليه أي حاجة في البلد دي لازم تكون من دم الغلابة”

وحين طلبت من أحدهم تسجيل مقطعًا فيدي يوثق كلماته قال: “سيبونا في حالنا عايشيين بنملى بطننا هموم وساكتين، علشان الكلام مفيش منه فايدة واللي بيتكلم عارف مصيره إيه، لو اتحبست محدش هيأكل ولادي، قولوا للحكومة ليه تمن أي حاجة في البلد دي لازم يكون من دم الغلابة، لكن أحمد عز واللي زيه لأ”.

“قولوا للسيسي بكرة حكومته تلبسنا الهدمة بالإيجار”

تركته ومضيت، وعلى بعد أمتار كانت سيدة تفترش الأرض لتبيع شوار العرائس، فقالت: ” بعد ما كنا بنبيع 150 مفرش في اليوم، النهاردة بنبيع 10 أو 12 قطعة بالعافية، الزبون بيسأل عن السعر ويمشي، أنا مديونة بـ30 ألف جنيهًا، وولادي دول مش عارفة هاجوزهم إزاي، ولو الوضع دا استمر هاتحبس، الأول كنا بنجيب المفرش 17.5نبيعه بـ20 جنيهًا، النهاردة تمنه 34 جنيهًا جملة، وبنبيعه بـ35 والناس معهاش تشتري”

“أسألوا الوزير يقدر يعيش بمعاش تكافل الكرامة أبو 360جنيهًا في الشهر”

وعلى الجانب الآخر توجهت إلى سوق الفاكهة،فقال أحد البائعين: “الناس بطلت تشتري فاكهة، علشان مش لاقيين ياكلوا، دا حتى الفاكهة العامية بتاعة الفقرا زى العنب معادش ليها سوق رغم إنها أرخص من الخضار، البلد مش حاسة بالفقرا، أنا راجل أجير واقف على فرش، أُجرتي أنا وزمايلي بتتراوح بين 50 إلى 70 جنيهًا في اليوم، الواحد مننا هايعيش بيهم إزاي، ويأكل ولاده ويعالجهم إزاي، ويشوف مدارسهم أنا معايا أربع عيال مصروفهم وهما نازلين مدارسهم كان 8 جنيهات، دلوقتي بعد ما المواصلات زادت، هادي العيل منهم اتنين جنيه يعمل بيهم إيه، ولا إحنا حرام نعلم ولادنا”

وأضاف: “دا حتى معاش تكافل الكرامة بتاع السيسي اللي قالوا عليه طلع 300 جنيهًا، وزاد بعدها 60 جنيهًا، الغلابة اللي زينا ملهمش سعر، واحد زميلنا هنا في السوق عاجز بيبيع لعب أطفال، بياخد مؤخرًا معاش التكافل 360 جنيهًا، بس هايعيش بيهم إزاي،عنده عيلين إثنين، ومش لاقي يأكلهم، أسألوا الوزير يقدر يعيش بكرامة إزاي بـ360 جنيهًا في الشهر، وبعدين كرامة إيه اللي بيتكلموا عنها، المصري معادش حيلته كرامة”

“الفقير بيشقي 10 سنين علشان يجيب حتة أرض وعشر سنين تانيين علشان يبني دور يأويه، وعلى ما بيكمل بنى بيته بيكون المرض هده”

وعندما مرت إحداهن تستعطفه، وتطلب منه المساعدة، مدً يده إلى بعض حبات الفاكهة وأعطاها لها وقال لي : “لو وقفتي ساعتين إتنين في السوق هاتشوفي وتسمعي حكاوي ناس محدش يعرف عنهم حاجة، زي الست دي عشرات بيمروا علينا كل ساعة، ومحدش دريان بيهم، ومفيش في إيدي حاجة أساعدها بيها غير حبيتين الفاكهة دول، واللي ممكن لو عدت على بياع تاني مش هاتطول منه غير الشتيمة والطرد”

ثم استرسل قائلًا: “حد يقول للحكومة سيبوا الغلابة في حالهم، الواحد فينا بيشقى 10 سنين علشان يشتري نص قيراط أرض، و10 سنين تانيين علشان يبني دور يأويه هو وعياله، وعلى ما يكونله مكان يأويه بيكون الشقا والمرض هده وعجزه بدري، قولوا للحكومة إحنا لا عايزيين فيلات ولا مصايف، إحنا مش عايزيين غير النومة واللقمة اللي معدناش لاقينهم”

موظفة بوزارة الثقافة: ” ضيق الحال طال الجميع”

أما تلك السيدة مُرتبة الثياب، تفاعلت مع حديثنا قائلتًا: ” ضيق الحال طال الجميع، أنا موظفة في وزارة الثقافة راتبي 1500 جنيهًا، وزوجي محاسب بالقطاع الخاص راتبه 2000 جنيهًا، عندنا بنتين كنا بنعلمهم في مدارس خاص وبعد التعويم وارتفاع الأسعار اضطررنا لنقلهم لتجريبي حكومي وياريتنا ملاحقين على مصروفاتهم، ببساطة إحنا بندفع 1200 جنيهًا إيجار ونور وكهرباء وغاز، ومؤخرًا إحنا والبنتين بنصرف أدهم أو أكتر مواصلات، وبيبقى واقع مصروفنا اليومي للأكل والشرب 35 جنيهًا، مش هاكلمك عن اللحوم علشان دي بقت محذورة في بيتنا، هاكلمك عن أسعار السلع الأساسية والخضار، كيلو الطماطم ب6 جنيهات، والبطاطس 5جنيهات، زجاجة الزيت 14 جنيهًا، كيلو البامية 20 جنيهًا، الأرز 11جنيهًا، البصل 8 جنيهات، الثوم 30 جنيهًا”

وأضافت : ” أنا مبقتش قلقانة بس على مستقبل بناتي، أنا خايفة يجي اليوم اللي منتلاقيش نأكلهم”

خبراء: “لقد أبرم السيسي اتفاق مع الشيطان

“ضعف القوة الشرائية نتاج طبيعي لتحرير سعر الصرف وغياب الرقابة على الاسعار”

لم تبتعد الكلمات الأكاديمية المحملة ببعض المصطلحات العلميةعما سرده البسطاء، بل تطابقت معها تمامًا، وفي حين يعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن استمرار تصاعد معدلات التضخم، يتوقع خبراء محليون ودوليون أن النسب الحقيقة للتضخم أعلى بكثير من الأرقام والإحصائات الرسمية، هكذا تخوف الجميع من انتظار الاسوأ.

فقد حظر الخبير الاقتصادي، رائد سلامة، قبل شهور من الإتفاق مع ما أسماه “صندوق الخراب” وصرح لـ”مدد” أن : ” التضخم وضعف القوة الشرائية للمواطنين ،نتاج طبيعي للإذعان لتعليمات صندوق النقد الدولي التي كان علي رأسها تحرير سعر الصرف، و رفع أي دعم حكومي، وغياب الرقابة علي الأسعار،و ترك تحديد سعر أي سلعة أو خدمة لآليات العرض و الطلب، بلا أي تدخل من الدولة في النشاط الإقتصادي”

أما ستيف هانك، أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة “جونز هوبكينز”، والذي يعمل مديرًا لمشروع العملات المتأزمة بمعهد “كاتو” البحثي الأمريكي، فكتب على حسابه على تويتر في نوفمبر الماضي : ” لقد أبرم السيسي اتفاقًا مع الشيطان_صندوق النقد الدولي_ وكتب نهايته مثلما فعل سوهارتو في إندونسيا عام 1988″

كما كتب في ديسمبر : “الاقتصاد أسوأ مما تعترف به الحكومة، وأن تكلفة المعيشة تمثل ضغوطًا على نظام السيسي”

“الحكومة الحالية لاتعي شيئًا عن علة الاقتصاد المصري وبالتالي قدمت حلولًا لا علاقة لها بالمرض

أما عن رؤيتهم للحل فقد قال، رائد سلامة: “إن كيفية معالجة التضخم من قبل الحكومة و البنك المركزي أتت بشكل خاطئ جداً، و في منتهي التقليدية و السطحية بما يشير إلي أن الحكومة المصرية لا تعرف شيئ عن أسباب علة الاقتصاد المصري؛ و بالتالي قدمت حلولاً لا شأن لها بالمرض، و لكنها نسخة مقلدة من حلول أجنبية تختلف في أبجديات إقتصادها عن الحالة المصرية”

التضخم بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد والانتاج الناتجة عن التعويم

واسترسل : ” قام البنك المركزي برفع سعر الفائدة مرات عديدة، و بنسب ضخمة لخفض الطلب “الزائف” علي اعتبار أن التضخم مرتبط بارتفاع حجم الطلب علي السلع؛ وهذا يدل على عدم فهم المركزي للمشكة لأن التضخم لدينا ليس بسبب ارتفاع الطلب، ولكنه بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد و الانتاج الناتجة عن التعويم، لأن اقتصادنا قائم بالأساس منذ السبعينات و بشكل مطرد علي الارتباط بالغرب من خلال الاستيراد الذي تجاوز في الشهر الواحد 4.5 مليار دولار حسب الارقام الرسمية، فالسلعة التي ثمنها 1 دولار كانت تباع قبل التعويم ب10 جنيهات أصبحت الآن تباع ب18 جنيهًا، وهذا هو السبب الحقيقي الذي يجب مواجهته بحسم”

“الحل هو دعم الجنيه المصري والحكومة الحالية تعهدت ألا تفعل ذلك”

ثم ختم قائلًا: “لا أظن أن حكومتنا ستفعل أي شيئ إيجابي بشأن مواجهة التضخم، كدعم الجنيه المصري، لأن محافظ المركزي تعهد أمام وكالات الأنباء في نوفمبر الأسود مع إصدار قرار التعويم،وإطلاق سعر الفائدة بأنه لن يدعم الجنيه، ولا أدري إن لم يدعم عملة بلده فأي عملة يدعم إذًا”

“المعيار الحقيقي لتقدم الاقتصاد هو مقارنة العمة المحلية بسعر الدولار”

كما أكد الخبير المصرفي، أحمد سامي، على ضرورة دعم العملة المحلية، مضيفًا تخوفه أن نسب التضخم أعلى بكثير من الأرقام الرسمية فقال: “لا أثق بالأرقام الرسمية فيما يتعلق بمعدلات التضخم، إذ أن هناك طرق عدة لقياسه بطريقة صحيحة، ولكن الحكومة تتجنبها لتحسين صورة الاقتصاد المصري”

وأضاف: لقد ارتفعت الأسعار بطريقة جنونية ما مثل ضغطًا كبيرًا على المواطنين وزادت قيم احتياجاتهم بأكثر من 100% من أسعارها الأساسية”

وأوضح :” أن المعيار الحقيقي لقياس مدى تقدم الاقتصاد هو سعر الدولار في السوق السوداء وليس في البنوك، مضيفا أن البنك المركزي قرر التخلي عن أحد أهم أدواته لضبط سعر الصرف لصالح السوق السوداء، وما زال مصرًا على تعويم الجنيه ما ينذر بانتظار الأسوأ”