ما بين حصار، وبحث عن براح، وحصار من نوع آخر، وبحث عن براح جديد، هناك حلم لا يزول، بعودة الوطن، والعودة للوطن.

بعد أن ضاقت أحواله وذاق مرار الحصار، ومع أول فرصة حقيقية، استطاع أن ينجو هو وعائلته الصغيرة، المكونة من زوجة وولدين ووالدته، من نيران الحصار والحرب، في رحلة جديدة للبحث عن مكان أفضل بعيد عن نيران الحرب والدمار حتى يستطيع أن يربي أولاده، هكذا بدأت رحلة راشد عبد الوهاب ذلك الشاب السوري الثلاثيني الذي لم يجد مصيرًا سوى الخروج من بلاده إلى أخرى للبحث عن حياة، لا أكثر، بعد أن طالته نيران الحرب التي اندلعت في سوريا في السنوات الماضية ودمرت الكثير من أحيائها.

راشد كان من ضمن 80 ألف سوري، وفقًا للمفوضية المصرية لشؤون اللاجين، الذين قرروا أن يتركوا سوريا بعدما حاصرتها نيران الحرب بعد أن أخر هذا القرار كثيرًا على أمل أن تتحسن الأمور، وخصوصًا أنه يملك شركة سياحية خاصه به بدمشق محل عمله وسكنه، لكن مع تأجيل وقت الرحيل كانت الأمور تزداد صعوبة فقد بدأت دمشق تتحاصر وبالتالي أمل الخروج قابله صعوبة تنفيذه، لكن راشد لم يجد حلًا حقيقًا سوى المجاذفة وضرورة الخروج وترك كل شيء يخصه ويخص عائلته الصغيرة من شركة خاصة وأموال ومنزل كبير لا ينقصه شيء.

هرب راشد من حصار دمشق، الذي استمر لمدة 3 أشهر في 2013 ومعه عائلته الصغيرة، واستطاع أن يصل إلى القاهرة باحثًا عن حياة جديدة، لكنه حينها لم يكن يملك سوى 100 دولار، في ذلك الوقت كانت قيمة الدولار 7 جنيهات، وبالتالي أصبح راشد لا يملك سوى 700 جنيه لا غير.

وُلِد مأزق راشد مع الساعات الأولى من وجوده في مصر، فهو الآن لا يملك سوى بضعة جنيهات يحتاج من خلالها أن يوفر مسكن على الأقل، ذهب راشد إلى مدينة 15 مايو بحلوان بعد أن وصفها له بعض الأصدقاء بأن إيجارها أقل سعرًا من غيرها، نظرا لبعدها عن مركز المحافظة، وبالفعل توجه ومعه أسرته إلى مايو لكنه وقع في فخ تكلفة التأمين والإيجار.

استطاع أن يستأجر أحد الشقق السكنية بتلك المدينة بعد أن تنازل صاحب الشقة عن قيمة التأمين والذي قدره شهر من قيمة الإيجار الذي كان 600 جنيه، رأفة بحال راشد وعائلته المهاجرة من نيران الحرب والحصار، ظل راشد، لأيام قليلة، دون مال ولا عمل ولافرش بشقتهم فهم لا يملكون سوى “مرتبة ومخدتين صغيرتين”، صنعتها والدته من قصاقيص الملابس القديمة حتى يستطيعون النوم عليهم، حتى قرر أن يعمل بأي ثمن فاستغل معرفته بقيادة السيارات، وبالتالي أقبل راشد على عمل “سواق ميكروباص”، الأمر الذي كان له أضرار نفسية عليه لما قابله من أزمات في التعامل بهذا المجال الجديد عليه بعد أن كان صاحب شركة سياحية ببلده وميسور الحال.

ظل راشد على هذه الحال لشهور حتى قرر أن يستغل أحد الأعمال التي عمل بها في صباه وهي الحياكة أو “الخياطة”، بالإضافة إلى أن والدته “أم راشد” كانت لها خبرة من قبل في هذا المجال، ومن هنا قرر راشد ووالدته شراء أول “ماكينة خياطة” لإصلاح الملابس، وبعد أن ذاع صيتهم بمنطقة مدينة مايو وحلوان، قرر راشد أن يستأجر مكانًا أمام منزله ليكون مصنعًا صغيرًا لخياطة الملابس الحريمي، واشترى 3 ماكينات إضافية، وبدأت قصة نجاحه بهذه المهنة، واستطاع جلب زبائن من كل مكان نظرًا لأسعاره المنخفضة وجودة إنتاجه.

وعلى الرغم من أن راشد استطاع بعد مجهود كبير في سنوات قليلة أن يحسن من دخله من معيشته داخل مصر إلا أن قرار الهجرة من مصر أصبح يراوده بعد تردي الأحوال السياسية، لكن حلم الهجرة هذه المرة خارج إطار الدول العربية فهو يحلم أن ينجو بعائلته الصغيرة إلى أحد دول أوروبا بعيدًا عن صراعات الدول العربية وأزماتها، وعلى الرغم من هذا الحلم إلا أنه لم ينسه حلمه الأساسي وهو العودة إلى سوريا مرة أخرى وإنهاء الصراعات وحالة الحرب، فلا يمر يوم من عمر راشد إلا أن يدعو الله أن تعود سوريا كما عرفها وتربى بها حتى يستطيع العودة هو وعائلته من جديد حتى وإن كانت عيشته ستكون على أحد أرصفتها.