«المقصلة، الباستيل، الزحف الكبير، الطبقات الثلاث ، الجمعيّة الوطنيّة، الجاكيري، التغيير……»

كلمات مثل الكواكب تدور في فلك الثورة الفرنسيّة، باعتبارها أم الثورات وشمس الإنتفاضات، انطلقت مُبكرًا وأعقبتها الكثير من الثورات في التاريخ الحديث، حتي أن الكثير من المؤرخين سعي جاهدًا لإثبات صلة النسب بينها وبين تلك الثورات.

لكن هل التاريخ يكرر نفسه؟

هل للتاريخ لسانًا يخرجه للعالم في كُل مرة وينعته بألفاظ تعدمها سيوف الرقابة؟

ربما، لا شئ مجزوم به، التاريخ ليس معادلة كيمائية، ولا يخضع لقانونٍ ثابت مثل قانون الطفو، ولا تحكمه نظريات كنظرية فيثاغورث أو نظرية الأواني المستطرقة.

التاريخ يكتبه أشخاص أعيتهم الحيل والتجارب ومفرمة الحياة والبحث عن المجد والمال والتاريخ أيضًا !

ربما كانت الثورة الفرنسيّة أُمّ الثورات بالفعل، وربما هناك تشابه صارخ في الملامح، وربما لا، وربما لم يكتشفوا بعد ال DNA للتاريخ، الذي يقطع بثبوت النسب من عدمه، لكن يبقي التاريخ تاريخًا بفلسفته وحكاياته.

في مثل هذا اليوم قبل مائتين ثمانية وعشرين عامًا كان المؤتمر العام الأول لـ”الجمعية الوطنية ” الفرنسية أولى إرهاصات ثورتها وصوت مثقفيها، فهل تغازلك ذاكرتك؟

هل عقدت المقاربات والمقارنات رغماً عنك؟

هل ذكّرتك بما آل إليه حالك وما فات حلمك؟

فلتقرأ معنا السطور التالية ..

مايو 1789 – فبراير 2010

بدأت شرارة الثورة الفرنسيّة مايو 1789 عن طريق الطبقة الثالثة في البرلمان الفرنسي التي قررت أن تتحرر من مُسمّي “مجلس الطبقات” لتحيله إلي “الجمعيّة الوطنيّة” والتي ستصبح فيما بعد منوطة بتغيير الدستور وتحدي الملك وطبقة رجال الدين والنُبلاء “الطبقة الأولي والثانية”

وإعادة تشكيل الحياة السياسيّة في فرنسا ومكافحة الثورات المضادة وفلول الملكيّة والإنتهازية.

Zoom in .. فبراير 2010

مجموعة من الوطنيين المصريين المناهضين للأوضاع السياسية في عهد مبارك من أيدولوجيات مختلفة، طلبوا من الدكتور محمد البرادعي أن يكون في مقدمتها وبدءوا بالفعل بجمع التوقيعات بهدف إصلاحات موسعة في الحياة السياسيّة وتعديل بعض مواد الدستور الخاصة بصلاحيات الرئيس فيما جاء تحت مُسمّي الجمعيّة الوطنيّة للتغير أيضًا، وشرارة نحو ثورة يناير التي اندلعت بعدها بشهور.

لكنّ ثمة فرق جوهري بين هذه وتلك, فالجمعية الوطنيّة في فرنسا انطلقت من داخل البرلمان واكتسبت الشعبية شيئاً فشيئاً معتمدة علي قوة الإنتخاب من الجماهير، ومن داخل الجسم “يسهُل مقاومة المرض”.

لكن هنا لا زالت القوى الوطنية على اختلافها تتجرع الأزمة كاملة عبر كل استحقاق انتخابي مرت به بعد الثورة بل وتشارك فى صنعها أحياناً بين تحالفات خاطئة او ضعيفة أحياناً أو بين قرار بالمقاطعة صائباً او خاطئاً بأحيانٍ أخرى بينما يبقى التنظيم الشعبي القوى مفقود، هذا القادر على تخطي كافة المعوقات و اللاضمانات التي تفرضها الانظمة المتعاقبة، هذا القادر على مخاطبة الشارع رغم قلة امكاناته المادية .

لايزال المرض بأكلمه يسكن الجسم ولم تتضاءل قدراته بل تزيد يومًا بعد يوم لأن الأمصال لم تتسلل للداخل في أي مناسبة من المناسبات.

فقر ويد باطشة و أشياء أخرى

كان من أسباب اندلاع الثورة الفرنسيّة الضرائب الباهظة وتحكُّم طبقة النبلاء التي وصلت إلي 350,000 أي حوالي 1,3 من عدد السكان.

نظريًّا كانوا يمثلون الطبقة الثانية بعد رجال الدين، لكن الواقع أنها الطبقة الأولي المتحكمة في ثروات البلاد بامتيازات مُخيفة منها:

_أنهم يمتلكون خُمس أراضي فرنسا

_لهم حق حمل السيف دون غيرهم

_حق الإفلات من الإعدام

_حق الإعفاء من الضرائب

_حق الإعفاء من سُخرة الطريق

_حق الدخول علي رؤساء الجيش والكنيسة والإدارة والقضاء…….

كان هذا دافعًا وسببًا قويًّا لقيام الثورة وتحقيق أهم أهدافها سريعًا جدًا، ففي ” 4 أغسطس 1789 قررت الجمعية الوطنية إلغاء الإمتيازات “.

ـ في مصر قبل الثورة كان رجال الأعمال ورأسماليتهم المتوحشة بنحو 30 أسرة يتحكمون في كل شئ، وبالنسبة للإمتيازات كانت بشكل عام الدولة دولتهم “ولاتزال” وما يتبقي من موائد اللئام يُقسم علي باقي أفراد الشعب المطحون، حيث بلغت نسبة الفقر المدقع 5 % عام 2010 وفي ازدياد مستمر، هذا علي عكس الثورة الفرنسيّة، مرت 6 سنوات علي ثورة يناير ولم يؤخذ أي قرار واحد يمثل تغيير جذري فى المعادلة للتحول أهداف الثورة إلى خطوات حقيقية ترفع الفقر و اللاعدالة و لا عزاء لأحاديث استرداد الأموال و الأراضي و الرقابة على ميزانية الجهات السيادية و .. غيرها كثير تشهد عليه اللافتة الكبرى ـ بالمطالب السبعة بميدان التحرير.

من يقف وراء المتاريس؟

يظل مشهد المتاريس الشهير وخلفه الثوار في فرنسا، ونشيد الثورة الرائع الذي بدأ بنحو

” هل تسمع غناء الشعب؟\ يغنون أنشودة الرجال الغاضبين \ إنها موسيقى الشعب \ الذي لن يكون عبدا مرة أخرى”

وما أعقبه من مقتلة عظيمة ضد الثوار، ممن بقوا وحدهم خلف المتاريس يواجهون رصاص العسكر حين هتفوا بهم “من يقف وراء المتاريس”، فكانت الإجابة التاريخية: “الثورة الفرنسية.

مشهد يحاكيه في يناير بطولات الشباب بشارع محمد محمود، بل تحاكيه كل المشاهد المنفصلة المتصلة في الثورة المصرية، وظل رجال الدين هناك صامتين، وظل منتحلي صفة الدين هنا ما بين صامت وما بين مُعدٍ للافتات المرشحين منهم في البرلمان !

لكن إرادة الشباب هي المنتصرة الغالبة، تدفق الدماء في عروقهم، تضحياتهم، والخسائر الفادحة التي تكون منهم دون غيرهم، ورغم التشويه والدماء والإصابات الفادحة والغازات السامة والقنص انتصرت إرادتهم بجدول زمني محدد لتسليم السلطة من المجلس العسكري الذي لم يكن يرغب في التسليم، وكذلك الثورة الفرنسيّة التي نجحت سريعًا بالتفاف البسطاء حول الشباب، ورغم أن الشباب هو من تبقي في محمد محمود في مصر وخلف المتاريس في فرنسا إلا أنه يكفيه

فخرًا تلك البطولات التي حققها وستظل محفورة في الأذهان ويظل الشباب وقود لأي ثورة أو حراك حدث في التاريخ./

أعداء الثورة

ـ هنا وهناك أعداء للثورة ما بين الطبقة البرجوازية التي هادنت الجموع الهادرة في فرنسا وانضمت الى الجمعية الوطنية و بعد عدة سنوات تحالفت مع نابليون وأنقلبت على أهداف الثورة واستمرت التلقبات الكبري على مدار عشرين عام إلى أن تم إعلان الجمهورية الثالثة.

مشهد يقارب ـ حسب رؤية القوى المدنية ـ أداء جماعة الإخوان المسلمين هنا “الذين انزلقوا بطمع لخطف الثورة فلم تهنأ لهم” بينما يرون هم أن التيار المدني هو من تحالف مع العسكر و الدولة القديمة ضدهم دون توقف أمام خروج الجماهير فى 30 يونيو.

ـ ما بين فلول هنا وهناك، أجهزة دولة وشبكة مصالح ما بين رأسماليين ورجال الأعمال و مسئولين هنا و بين النبلاء هناك، تشابه في الأموال والعدة والعتاد.

ـ وما بين البسطاء هنا”الذين خرجوا من المولد بلا حمص” وبين الفلاحين هناك بيد أن الفلاحين هناك قاموا بثورة عُرفت باسم “جاكيري” هاجموا فيها قصور النبلاء ونكلّوا وأعدموا وانتقموا من الكثير منهم شر انتقام

الدم والقادم

يتبقي أن الثورة الفرنسيّة كانت مشبعة بالدماء، شهوة الغضب والإنتقام لم تترك لأحد فرصة للإلتقاط الأنفاس، الجميع هاجم ودافع وتعرض للمقصلة والدماء تسربت رائحتها لكل بقعة من البقاع التي وصلت حسب تقديرات الى 16 ألف فرنسي.

لم يحدث هذا “هنا” بين من يرى أن تلك الميزة الرئيسية للثورة المصرية، للشعب الذي لا يميل للانتقام، فكانت الأمور أقل وطأة وأخف ضررًا، و بين من يرى أن اللا عنف اللا محاسبة هى التي وصلت بنا إلى الاعتراف بعد سنوات أن الثورة قد هًزمت وتحتاج جولات أخرى لاستعادتها من أنياب الثورة المضادة التي تعرف دون شك تلك الشهوة.. شهوة الانتقام.

..

مايو جديد يحكي عن تجارب ملهمة تغذي حلم مفتوح يحكي عن محاولات مستمرة.